الغزالي

174

فضائح الباطنية

والثاني : تقدير اقتدار الخلق على الاستبدال بالإمام والتصرف فيه بالخلع والانتقال ؛ وهذا محال في زماننا ، إذ لو أجمع أهل الدهر وتألبوا على أن يصرفوا الوجوه والقلوب عن الحضرة المقدسة المستظهرية لم يجدوا إليها سبيلا ، فيتعين على كافة علماء العصر الفتوى بصحة هذه الإمامة وانعقادها بالشرع . ولكن بعد هذا شرطان : أحدهما أن لا يمضى كل قضية مشكلة إلا بعد استنتاج قرائح العلماء والاستظهار بهم ، وأن يختار لتقليده عن التباس الأمر واختلاف الكلمة أفضل أهل الزمان وأغزرهم علما ، وقلما تنفك مدينة السلام عن شخص يعترف له بالتقدم في علم الشرع ، فلا بدّ من تعرف الشرع في الوقائع منه لينوب ذلك عن الاجتهاد ، والثاني أن يسعى لتحصيل العلم وحيازة رتبة الاستقلال بعلوم الشرع ، فإن الإمامة وإن كانت صحيحة منعقدة في الحال فخطاب الله تعالى قائم بإيجاب العلم وافتراض تحصيله ، إذا ساعدت القدرة عليه لم يكن للتوانى فيه عذر ، لا سيما والسن سنّ التحصيل ، وريعان الشباب معين على الغرض ، والقدر الواجب تحصيله شرعا إذا صرف إليه الهمة الشريفة حصل في قدر يسير من الزمان ، ولا يليق تطلب غايات الكمال إلا بالحضرة المقدسة الشريفة النبوية المحفوفة بالعزّ والجلال . وإذا اتضح ، في هذا الباب ، بهذه البراهين اللائحة أن مقتضى أمر الله أن الإمام الحق المستظهر بالله هو المتعين لخلافة الله فما أجدر هذه النعمة أن تقابل بالشكر ! وإنما الشكر بالعلم وبالعمل وبالمواظبة على ما أودعته في الباب الآخر من الكتاب ، وعلى الجملة فشكر هذه النعمة ألا يرضى أمير المؤمنين أن يكون لله على وجه الأرض عبد أعبد وأشكر منه ؛ كما أن الله تعالى لم يرض أن يكون له على وجه الأرض عبد أعزّ وأكرم من أمير المؤمنين ، فهذا هو الشكر الموازى لهذه النعمة . والله ولى التوفيق ، بمنّه ولطفه .